وهبة الزحيلي

27

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لدعوته . ووجود هاتين الحالتين ينافي الكفر ، وليس المعنى أنه وقع منهم الكفر ، فوبخوا على وقوعه ؛ لأنهم مؤمنون ، ولذلك نودوا بوصف الإيمان : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا « 1 » . ومن يعتصم باللّه وكتابه ويتمسك بدينه ويتوكل عليه ، فقد أحرز الهداية ، وابتعد عن الغواية ، وسار في طريق الرشاد والسداد وتحقيق المراد . ثم أمر اللّه تعالى المؤمنين بالتزام التقوى حقا ، بأن يؤدوا الواجبات ويجتنبوا المنهيات ، وذلك باجتناب المعاصي كلها ، واتباع الأوامر قدر المستطاع ، كما قال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن 64 / 16 ] وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم » « 2 » وقال ابن مسعود : « حق تقاته : أن يطاع فلا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر » « 3 » وقال ابن عباس : هو ألّا يعصى طرفة عين . وذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول اللّه ، من يقوى على هذا ؟ وشقّ عليهم ، فأنزل اللّه عز وجل : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فنسخت هذه الآية . قال مقاتل : وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية . والأصوب أن قوله فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ بيان لهذه الآية . والمعنى : فاتقوا اللّه حق تقاته ما استطعتم ؛ لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع ، والجمع ممكن فهو أولى . ثم نهاهم بقوله : ولا تموتن إلا ونفوسكم مخلصة للّه ، أي : ولا تكوننّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت . وهذا حث على المبادرة إلى الإسلام ابتداء

--> ( 1 ) البحر المحيط : 3 / 14 ( 2 ) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة . ( 3 ) إسناده صحيح موقوف رواه البخاري .